الصفقة التى تنتظرها مصر من ترامب؟

 الصفقة التى تنتظرها مصر من ترامب؟

- معاداة ترامب للصين وخطابه المتصالح مع روسيا يبشران بتحالف اقتصادى سياسى غير متوقع بين القاهرة وواشنطن وموسكو
- الأولى بالقاهرة توطيد علاقاتها أكثر ببكين لمزيد من كروت الضغط على واشنطن فى ملف دعم الاقتصاد
- ترامب يحتاج موسكو والقاهرة على السواحل الليبية لوقف تصدير المهاجرين والإرهابيين إلى العالم الغربى
يعشق السواد الأعظم من المصريين قراءة الأحداث بذهنية مكايدات مشجعى الكرة، بيد أن تلك العادة ليست ببعيدة عن تصرفات السلطة فى بعض الأحيان.
التعاطى الرسمى بتفاؤل وانفتاح لافت مع فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بدا فى بعض مواضعه مبالغًا فيه على طريقة هتافات المدرجات وعصبياتها، مع أن المنطق يحتم أولًا التريث فالرجل مجهول ومستقبل حكمه غامض.
أضف إلى ذلك، وهو الأهم أنه رجل أعمال، لا يفهم من السياسة إلا البراجماتية وربما الانتهازية واللعب بالبيضة والحجر لتزيد أهرامات ملياراته أكثر فأكثر، ومن المرجح أيضًا أن تندرج وعوده وآراؤه الانتخابية تحت لافتة «الترويج للبضاعة»، ولو بالباطل.
حقائق، يمكن القول بأريحية شديدة إن صانع القرار المصرى على الأرجح يدركها، ومن ثم فالزهو العلنى بفوز ترامب وهزيمة هيلارى كلينتون، سيكون مبررًا لو أن حزمة من المكاسب المنظورة تراها القاهرة وقد صارت على مرمى البصر بوصول الأول إلى البيت الأبيض.
ما الصفقات التى تنتظرها القاهرة من ترامب؟ وهل تعول بالفعل على دعمه المعلن لها وللرئيس عبد الفتاح السيسى، إبان حملته الانتخابية؟
الكثير من الساسة والباحثين والمنظرين، كثيرا ما  تعاملوا قبلًا مع ذلك الدعم «الترامبى»، وقبل تمكن الرجل من سحق كلينتون وقنص كرسى الرئاسة، بشىء من التوجس. لكن يبدو أن السلطة فى مصر كانت تتمنى فوز المرشح الجمهورى، وكأن لديها خطة لاستثمار الوعود الانتخابية تجاه بلاد النيل.
اليوم، وقد صار ترامب الرئيس الخامس والأربعين الذى يدخل البيت الأبيض، ظهر جليا ودون مواربة أن ذلك الدعم مرحب به وبشدة من جانب القاهرة، حتى إن الرئيس السيسى، كان حريصًا على أن يصبح أول زعيم دولى يهنئ الحاكم الجديد لبلاد العم سام، وهو الأمر الذى كان محل امتنان من جانب الأخير.
إذن الرهانات كبيرة فى القاهرة على ترامب، وخصوصا أنه سبق وأكد غير مرة أنه سيساند مصر فى حربها على الإرهاب.
وكان حرص ترامب، على لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسى فى نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضى، لافتًا للغاية. بينما لم يخف وحملته آنذاك دعمهما القوى لحرب مصر ضد قوى التطرف والظلام وعلى رأسها الإخوان.
ولم تكن تلك هى الإشارة الإيجابية الأولى من جانب ترامب تجاه مصر. فقبل أشهر قليلة، قال المرشح الجمهورى فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، صراحة: «إننا فى مواجهتنا للإرهاب وداعش سوف نعتمد على جهود كل من الملك عبدالله الثانى ملك الأردن، والرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس مصر».
فى المقابل، فإن الفوقية والضيق والتربص وغيرها من أمور الصلف التى تعاملت بها إدارة الرئيس المنتهية ولايته، بارك أوباما، مع مصر ونظام الرئيس السيسى، على خلفية عزل حكم الإخوان صيف العام 2013، جعلت من القاهرة فى انتظار تغيير نمط الحكم المحسوب على الديمقراطيين، الداعمين لجماعة المرشد، ليبقى الفيصل فى الحكاية، أن تتحول وعود ترامب الانتخابية لدستور عمل حقيقى بعد أن صار رئيسًا، أو ربما تحولت إلى صفقات لتبادل المصالح والمنافع. 
التفاؤل بكلام ترامب المنفتح على مصر، يستند إلى أن حديثه عن تحالف مع الرئيس السيسى ضد الإرهاب الداعشى على وجه الخصوص.
فضلًا عن أن الإشارات المتعددة المناهضة للإخوان، واعتبراهم كيانًا متشددًا ومتطرفًا وإرهابيا، من جانب ترامب ومساعديه، ترجح فرضية التعاون المحتمل والتقارب الكبير المتوقع مع القاهرة تحت قيادة السيسى.
ومع ذلك، وكما أشرنا قبل 3 أشهر كاملة من فوز المرشح الجمهورى برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية على صفحات «اليوم الجديد» تحت عنوان «السقوط فى فخ ترامب»، فإن تلك الفرضيات ليست مطلقة فى العموم، وخصوصا أن الجمهوريين لا يميلون دومًا وبعكس ما توحى أدبياتهم، للصدام مع اليمين الدينى الشرقى أو غير المسيحى (الإسلام السياسى فى حالة الشرق الأوسط).
جورج دبليو بوش، وكان جمهوريا عتيدًا، عادى مبارك تمامًا، وتجاهله طيلة 8 سنوات قضاها فى البيت الأبيض، بل وأوكل إلى وزيرة خارجيته الشهيرة، كونداليزا رايس، مهمة التبشير والعمل على تطبيق استراتيجية «الفوضى الخلاقة»، بالمنطقة، حيث أعلنتها للمرة الأولى فى محاضرة لها بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، فى العام 2005، قبل أن تبدأ إدارته فى اتصالات مباشرة ومكثفة مع إخوان مصر، بيد أن الإطاحة بالرئيس الأسبق حسنى مبارك كانت على رأس أولويات تلك الفوضى.
 ومن ثم فأعداء الإسلام السياسى فى واشنطن من الجمهوريين، هم من مهدوا له الطريق للظهور والحلم بالسلطة بمصر، وذلك تفسيره أن للسياسة الخارجية الأمريكية ثوابت استراتيجية يطبقها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء، وإن اختلفوا فى وسائل التطبيق لا أهدافه الكبرى.
غير أن الآمال لا تزال كبيرة، فى ظل رغبة ترامب فى ترميم العلاقات مع روسيا، الحليف الكبير لمصر.
ربما تقود إدارة ترامب اتفاقًا تاريخية مع القاهرة وموسكو بشأن موضوعات شرق أوسيطية ملتهبة كالملف الليبى الحيوى بالنسبة لمصر، وهو ما ينطبق كذلك على الملف السورى.
بالنسبة للروس، فإنهم كثيرا ما حلموا بوضع قدم لهم على البحر المتوسط لمواجهة أوروبا الغربية من الجنوب ومقارعة أساطيل الأمريكان فى منتصف الكرة الأرضية تقريبًا. لم تكن لهم دومًا أى يد طولى فى هذا الشأن.
بدا أن الحلم تحقق على نحو ما فى سوريا بعد أن بات الجيش الأحمر على الأرض وفى الجو هناك. لكنه وضع قلق فى ظل تواصل اشتعال الأجواء فى بلد بشار الأسد، وفى ظل أن الحل السياسى مع الأمريكان لا يزال واردًا رغم كل ما يبدو من تعقد خريطة اشتباكات المصالح والوضع العسكرى لكل طرف من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فى الصراع فى الوقت الراهن.
أن تستقر سفينة روسية حربية أمام السواحل الليبية، وبتنسيق مع مصر، أكبر قوة عسكرية فى المنطقة العربية، والوحيدة التى باتت لديها حملات مروحيات قتالية، وبمباركة أمريكية، هو هدف روسى أكبر يضمن للدب العائد نفوذًا لا حدود له، ونفطًا وغازًا لا أول ولا آخر له.
فى المقابل تريد واشنطن تسكين تلك المنطقة، دون مشاكل، ودون مزيد من تصدير المهاجرين والإرهابيين. وبالتالى يمكن أن تتلاقى رغبتها مع الطموح الروسى والحرص المصرى على الأمن القومى للقاهرة.
لو أن القاهرة تنتظر تلك الصفقة؟ فليس عيبًا طالما سيعود عليها ذلك بمكاسب تنصب فى حماية أمنها القومى وإنعاش اقتصادها المتعثر.
لكن، وكما قلنا مرارًا قبلًا، الأولى بالقاهرة، إذا ما أرادت الاستفادة من الانفتاح الكبير لترامب عليها وحتى لا يتحول لفخ يجبرها على التبعية والاستكانة الإجبارية، أن تعدد أحلافها دومًا، بما يمنحها رحابة الندية والمساومة وطلب المكاسب والمبادرة، بدلًا من انتظار هدايا لا تصل فى الأغلب الأعم.
فى هذا الصدد، لا بد وأن تسارع القاهرة إلى مزيد من توطيد العلاقات مع الصين، العدو الأول لترامب، حتى إذا ما أراد الأخير إثنائها عن ذلك، فليقدم المقابل.
ترامب يضع الصين واقتصادها المتغول كهدف رئيسى لإدارته، ومن ثم فربما تكون هناك صفقة حوافز استثمارية أمريكية للقاهرة لوقف هرولتها صوب التنين الضخم.
ومرة ثانية، على القاهرة أن تمتلك أولًا أدوات القوة لإجبار الجميع على التعاطى معها كحجر زاوية لا مجرد بلد يعيش ويتوجه ويتحالف وفق ما تسمح له الظروف.

تابع ايضا

شارك الموضوع

أخبار اخرى متعلقه بالخبر